هلال بن محسن الصابي

64

الوزراء

بكرة يوم الخميس على هذه السبيل إلى مقابر قريش ، فأمست مساء بعد عليها معه الوصول إلى دواخل الكرخ ، فوصفت لها امرأة كانت معها منزل امرأة تعرفها وتأمنها ، ولا زوج لها لأنه توفّى قبل ذلك بسنة ، فحملته حنزابة ومعه جماعة نساء إلى هذه المرأة التي ذكرت لها وهي غير عارفة بها ، ودخلت الدار وقالت : معي امرأة عاتق لم تتزوج « 1 » وقد انصرفت من مأتم وضاق عليها الوقت ، وسألتها أن تفرد لها موضعا . فأفردت لها بيتا في صفّة « 2 » ، وأدخلت المحسن إليه وردّت الباب عليه ، وجلست النسوة معه في البيت ، ووافت جارية سوداء للقوم بسراج فتركته في الصّفّة ، وجاءت حنزابة إلى المحسن بسويق « 3 » ليشر به وقد نزع ثيابه . واطّلعت الجارية السوداء فرأته من غير أن تشعر بها حنزابة ، وعلمت أنه رجل ، فحدّثت مولاتها بذلك ، فلما تصرّم الليل قامت مولاتها إلى الموضع سرّا حتى شاهدته . وكان من سوء الاتفاق أن كانت المرأة زوجة محمد بن نصر وكيل أبى الحسن علىّ بن عيسى على نفقاته ، وكان المحسن طلبه فحضر ودخل ديوانه ، ورأى ما يعامل الناس به من المكاره ، فمات فزعا من غير أن يكلّمه المحسن أو يوقع به مكروها . فمضت المرأة في الوقت إلى دار السلطان حتى وصلت إلى نصر الحاجب ، وشرحت له الصورة . وأنهاها نصر إلى المقتدر باللّه . فتقدم بالبعثة إلى نازوك بالركوب إلى الموضع والقبض عليه . فركب من وقته وكبسه وأخذه . وضربت الدّبادب ليلا « 4 » عند وصوله حتى ارتاع الناس لأصواتها ، وظنوا أن حادثا حدث

--> ( 1 ) المرأة العاتق : هي التي أول ما أدركت أو بين الإدراك والتعنيس . ( 2 ) الصفة : بيت مسقوف بالجريد ونحوه . ( 3 ) السويق : من معانيه الخمر . وفي تجارب الأمم : بسويق وسكر والسويق معناه أيضا الدقيق الناعم . ( 4 ) الدبادب : الطبول ، جمع دبداب سمى بذلك لصوته .